ملا محمد مهدي النراقي
133
جامع السعادات
الأخذ مع مشروعية الغرض وعدم كونه واجبا عليه . الرابعة - أن يطلب به حصول التودد والمحبة ، ولكن لا من حيث إنه تودد فقط ، بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض ينحصر جنسها وإن لم ينحصر عينها ، وكان بحيث لولا جاهه لكان لا يهدى إليه ، فإن كان جاهه لأجل علم أو ورع أو نسب فالأمر فيه أخف ، والظاهر كون الأخذ حينئذ مكروها ، لأنه هدية في الظاهر مع كونه مشابها للرشوة . وإن كان لأجل ولاية تولاها ، من قضاء أو حكومة أو ولاية صدقة أو وقف أو جباية مال أو غير ذلك من الأعمال السلطانية ، فالظاهر كون ما يأخذه حراما لو كان بحيث لا يهدى إليه لولا تلك الولاية ، لأنه رشوة عرضت في معرض الهدية ، إذ القصد بها في الحال طلب التقرب والمحبة ، ولكن لأمر ينحصر في جنسه ، لظهور أن ما يمكن التوصل إليه بالولايات ماذا ، قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - : " يأتي على الناس زمان يستحل فيه السحت بالهدية ، والقتل بالموعظة ، يقتل البرئ لتوعظ به العامة " . وروي : " أنه ( ص ) بعث واليا على صدقات الأزد ، فلما جاء أمسك بعض ما معه ، وقال : هذا لكم وهذا لي هدية . فقال ( ص ) : ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هدية إن كنت صادقا ! ثم قال : ما لي استعمل الرجل منكم ، فيقول : هذه لكم وهذه هدية لي ، ألا جلس في بيت أمه ليهدى له ! والذي نفسي بيده ! لا يأخذ منكم أحد شيئا بغير حقه إلا أتى الله بحمله ، ولا يأتين أحدكم يوم القيامة ببعير له رغاء ، أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر . . . ثم رفع يديه حتى رأوا بياض إبطيه ، وقال : اللهم هل بلغت ؟ " ( 12 ) . وعلى هذا ، فينبغي لكل وال أو حاكم وقاض وغيرهم من عمال السلاطين ، أن يقدر نفسه في بيت أبيه وأمه معزولا بلا شغل ، فما كان يعطى حينئذ يجوز له أن يأخذه في ولايته أيضا ، وما لا يعطى مع عزله ويعطى لولايته يحرم أخذه ، وما أشكل عليه من عطايا أصدقائه فهو شبهة ، وطريق الاحتياط فيها واضح .
--> ( 12 ) صححنا هذين النبويين على ما في ( إحياء العلوم ) : 2 / 137 .